الشنقيطي
100
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً [ التوبة : 36 ] . قوله تعالى : فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [ 196 ] . اختلف العلماء في المراد بالإحصار في هذه الآية الكريمة فقال قوم : هو صد العدو المحرم ومنعه إياه من الطواف بالبيت . وقال قوم : المراد به حبس المحرم بسبب مرض ونحوه . وقال قوم : المراد به ما يشمل الجميع من عدو ومرض ونحو ذلك . ولكن قوله تعالى بعد هذا : فَإِذا أَمِنْتُمْ ، يشير إلى أن المراد بالإحصار هنا صد العدو للمحرم ؛ لأن الأمن إذا أطلق في لغة العرب انصرف إلى الأمن من الخوف لا إلى الشفاء من المرض ، ونحو ذلك ، ويؤيده أنه لم يذكر الشيء الذي منه الأمن ، فدل على أن المراد به ما تقدم من الإحصار ، فثبت أنه الخوف من العدو ، فما أجاب به بعض العلماء من أن الأمن يطلق على الأمن من المرض ، كما في حديث « من سبق العاطس بالحمد أمن من الشوص ، واللوص ، والعلوص » ، أخرجه ابن ماجة في سننه فهو ظاهر السقوط ، لأن الأمن فيه مقيد بكونه من المرض ، فلو أطلق لانصرف إلى الأمن من الخوف . وقد يجاب أيضا بأنه يخاف وقوع المذكور من الشوص الذي هو وجع السن ، واللوص الذي هو وجع الأذن ، والعلوص الذي هو وجع البطن ؛ لأنه قبل وقوعها به يطلق عليه أنه خائف من وقوعها ؛ فإذا أمن من وقوعها به فقد أمن من خوف . أما لو كانت وقعت به بالفعل فلا يحسن أن يقال أمن منها ؛ لأن الخوف في لغة العرب هو الغم من أمر مستقبل ، لا واقع بالفعل ، فدل هذا على أن زعم إمكان إطلاق الأمن على الشفاء من المرض خلاف الظاهر . وحاصل تحرير هذه المسألة في مبحثين : الأول : في معنى الإحصار في اللغة العربية . الثاني : في تحقيق المراد به في الآية الكريمة وأقوال العلماء وأدلتها في ذلك ، ونحن نبين ذلك كله إن شاء اللّه تعالى . اعلم أن أكثر علماء العربية يقولون : إن الإحصار هو ما كان عن مرض أو نحوه ، قالوا : تقول العرب : أحصره المرض يحصره بضم الياء وكسر الصاد إحصارا ، وأما ما كان من العدو فهو الحصر ، تقول العرب : حصره العدو يحصره بفتح الياء وضم الصاد حصرا بفتح فسكون ، ومن إطلاق الحصر في القرآن على ما كان من العدو قوله تعالى : وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ [ التوبة : 5 ] ومن إطلاق الإحصار على غير العدو كما ذكرنا عن علماء العربية . قوله تعالى : لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [ البقرة : 273 ] الآية .